Sunday 20 September 2020
رمز الخبر: ۱۱۶۷۱۸
تأريخ النشر: 31 July 2020 - 21:12


د. السيد محمد الغريفي

كُتب الكثير حول شخصية القائد الفذ الجليل السيد حسن نصر الله (حفظه الله) ودوره الوطني والإقليمي والمنجزات العظيمة التي حققها، ولكن أعتقد أن من المبكر الآن الإحاطة التامة والدقيقة والكاملة لإبعاد هذه الشخصية العظيمة الكاريزمية وما حققته من منجزات ضخمة وما ستحققه، إذ تظهر مثل هذه الشخصيات بشكل نادر في تاريخ البشرية، فتقوم بإنجاز أعمال كبرى تغير من مسيرة شعوبها، لتأخذ بأيديهم نحو القوة والعزة والشموخ والكرامة.

لقد أدى هذا القائد الكبير وما زال يؤدي أعمال كبرى تتناسب عظمتها مع عظمة همته وإخلاصه وتضحيته وتفانيه في سبيل إنقاذ أمته وتحرير أرضه ووحدة شعبه والسعي نحو الاستقلال والسيادة الوطنية.

والتعرض بالتفصيل لكل منجزاته فوق حد الإمكانات المتوفرة، بل تحتاج إلى دراسات معمقة من قبل المفكرين والمحللين على طول العقود التالية،

وما سوف نستعرضه في هذه المقالة هو ملخص لأهم منجزاته السياسية على الصعيد الوطني والإقليمي، مع الاعتذار من القارئ الكريم على عدم التفصيل، وهي كالتالي:

أولاً: تحرير أرضه من الاحتلال الإسرائيلي:

تعتبر الأرض أهم عنصر وجودي عند الأمم، وبفقدانها تفقد الأمة شخصيتها وكيانها وكرامتها ووحدتها، لتصبح مشتته ومتطفلة على باقي الأمم تستجدي العطف والعون ورغيف الخبز بالذل والخذلان.

أدرك السيد حسن نصر الله (حفظه الله) هذا الأمر جيداً بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت ولم يكن قد تجاوز الثانية والعشرين من عمره عندما بدأ يعمل ويخطط في المقاومة الإسلامية اللبنانية.

وكان واحداً من خمسة أسسوا حزب الله، وهم:( عباس الموسوي وصبحي الطفيلي ومحمد يزبك وحسن نصر الله نفسه، وإبراهيم أمين السيد)، اجتمع هؤلاء الخمسة بعد أيام من الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وبعد هذا الاجتماع بثلاث سنوات خرج حزب الله إلى العلن، كان يضم وقتها مجموعات إسلامية مختلفة.

فقد استطاعوا تحرير بيروت سنة 1982، وصيدا وصور والنبطية سنة 1985، والمنطقة الحدودية سنة 2000، بقيادة السيد نصر الله(حفظه الله)، ليكون قد حقق بذلك أهم إنجاز سياسي لأمته، وأعاد لها كرامتها وأبعد عنها خطر الضياع والتشتت.

ثانياً: أحياء روح المقاومة الوطنية والإقليمية:

تبنى حزب الله من اليوم الأول لتأسيسه إستراتيجية المقاومة، من خلال رفع السلاح بوجه المحتلين لأرضه والمعتدين على كرامته، وتبني فكرة (ما أخذ بالقوة لابد أن يعود بالقوة)، لقناعتهم بأن الحوار مع المحتل لا ينتج غير إضفاء الشرعية للاحتلال في البقاء، وتقديم التنازل مقابل السلام الكاذب للذين لا عهد لهم ولا ذمة.

وبالفعل نجحت هذه الإستراتيجية على أرض الواقع وأثبتت جدارتها بإخراج المحتلين من الأراضي اللبنانية، ثم انتقلت هذه الإستراتيجية لباقي الحركات الفلسطينية وخصوصاً حركتي حماس والجهاد، حيث حققا على أثرها فتوحات سياسية كبيرة منها الانسحاب الصهيوني الكامل من غزة وتهديمهم المستوطنات فيها.

وإن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله (حفظه الله) هو الأكثر من ساهم في نشر هذه الروح العليا للمقاومة في وسائل الأعلام المسموعة والمرئية والمطبوعة، حيث عرف المقاومة في أحدى المقابلات الصحفية بقوله: (المقاومة أن تكون في موقع الدفاع عن شعبك وعن وطنك، في مقابل الغزاة الذين يريدون أن يفرضوا عليك إرادتهم وفكرهم بقوة السلاح).

ثالثاً: أحياء روح الإسلام :

إلى جانب المقاومة تبنى حزب الله "الدين الإسلامي” كعقيدة وفكر ومنهج يسير عليه ويستمد منه الشرعية والتكليف في العمل السياسي والجهادي والاجتماعي والثقافي والإداري والأخلاقي، وبعبارة أخرى تبنى الإسلام في كل مجالات الحياة حتى في داخل بيوت أعضاء حزب الله ومجتمعهم وفي نشاطاتهم السياسية وغيرها.

مما ساهمت هذه الروحية السامية في تقويتهم بالأيمان والصبر والثبات على مبدأ عند الشدائد، حتى أصبحوا مؤهلين لتسديد الله تعالى لهم وتكليلهم بالانتصارات السياسية والعسكرية الكبيرة لقوله تعالى في كتابه العزيز: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (سورة الرعد/ 11).

ويعتبر الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله (حفظه الله) هو النموذج القدوة لكثير من الناس في الإيمان والتقوى والورع والصبر والأخلاق والاتكال على الله تعالى والدعوة أليه والتضحية والفداء في سبيله.

رابعاً: كسره الهيبة العسكرية للكيان الصهيوني:

الأبواق الإعلامية للكيان الصهيوني ما انفكت تهرج ليلاً ونهاراً وتزعم بأنه صاحب الجيش الذي لا يقهر، وأقوى جيوش المنطقة، قد غلب ستة جيوش عربية مجتمعة في حرب السبعة أيام، ولديه أحدث المعدات العسكرية وأكثرها تطوراً وبطشاً كل هذا النعيق من أجل إرعاب دول المنطقة والتمادي في الظلم والطغيان من دون أن يقف أحد في وجهه.

وما كان من القيادة الشجاعة للسيد حسن نصر الله (حفظه الله) الذي فند هذه المزاعم وقسم بالله (أن هذا الكيان أوهن من بيت العنكبوت) وإلحاق به الهزائم تلو الهزائم في معارك التحرير وحرب تموز ( 2006م) التي أعجزت الكيان الغاصب مع حلفائه من اجتياح لبنان وإيقاف انطلاق صورايخ حزب الله على الأراضي المحتلة، فاعترفوا على وفق تحقيقاتهم بهزيمتهم وفشلهم وإدانة قادتهم.

وبذلك بدأ العالم العربي ينظر لهذا الكيان الغاصب على أنه أضعف بكثير مما كانوا يتصورون، وأصبحوا لا يخشون جنوده ولا سلاحه، وكان أروع صمود لهم في محاولة اجتياح غزة (2008م) فأفشل أهل غزة الأبطال بصمودهم مخطط هذا الكيان في إسقاط حكومة حماس الشرعية.

خامساً: بروزه في الساحة الإقليمية كقائد عربي إسلامي

بعد الانتصارات المتتالية لحزب الله على الكيان الصهيوني التي أبهرت العالم، وظهور الخطابات السياسية للسيد حسن نصر الله (حفظه الله) للرأي العام عبر القنوات الفضائية، التي تميزت بالخطاب العقلائي والصادق والمبسط في تناول أحداث السياسة الداخلية والإقليمية بكل شفافية ووضوح، في ظاهرة فريدة من نوعها لم تشهدها ساحتنا العربية من قبل، فتعلقت به الشعوب العربية والإسلامية من أغلب القوميات والأديان والمذاهب، فأحبته بكل صدق وهتفت باسمه ورفعت صوره في كثير من الدول العربية والإسلامية، واعتبرته قائدها الأول ورمزها السياسي والجهادي.

سادساً: أعطاء أنموذج يقتدى به في العمل السياسي الإسلامي:

أصبحت شخصية الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله (حفظه الله) ظاهرة جديدة في العالم العربي، لم نشهد قبلها من مثيل في العصر الحديث، من كونه رجل دين تولى العمل السياسي والجهادي في الدفاع عن بلده وطرد المحتلين بكل شجاعة وحكمة وإخلاص وأخلاق إسلامية عالية شهد بها أعدائه قبل مريديه.

مما جعل هذه الشخصية أنموذج يقتدى بها من قبل بعض الحركات الجهادية في البلدان الإسلامية الواقعة تحت الاحتلال الأجنبي، كما حصل في فلسطين وأفغانستان والعراق، مع وجود فوارق أخرى بالطبع.

سابعاً: استمداده مشروعية العمل السياسي من ولاية الفقيه:

يعتبر بحث "المشروعية” من أهم البحوث الفقهية والقانونية والسياسية، يبحث حول من له الحق في التصرف في الأمور العامة للمجتمع التي أبرزها العمل السياسي والقضائي والجهادي، بالتأكيد لا يكون هذا الحق لكل أحد لأنه يؤدي إلى الهرج والمرج، ولا يكون للجاهل بالقانون- الوضعي والإسلامي لا على نحو الاجتهاد- لأن الجاهل ضرره أكثر من نفعه، وكذا لا يكون للفاسق لأنه لا يكون أمين على نفوس المسلمين وأموالهم وأعراضهم، فتعين أن يكون هذا الحق محصور بالفقيه العادل القادر على إدارة شؤون المسلمين، كما أيد ذلك بآيات من القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة، المصطلح عليه بـ(ولاية الفقيه).

والسيد حسن نصر الله(حفظه الله) ورفقاء دربه عندما أرادوا مقاومة الاحتلال فأول عمل قاموا به أخذ الإجازة الشرعية من ولي أمر المسلمين في ذلك الوقت الإمام الخميني(قدس سره) ومن بعده السيد القائد علي الخامنئي (دامت بركاته)، وبهذه الأجازة يكونون قد استمدوا مشروعية مقاومة الاحتلال والعمل السياسي من ولاية الفقيه،

وفي نظري هذا أكبر أنجاز سياسي حققه حزب الله عندما جعل عمله السياسي والعسكري شرعي ومرضي عند الله تعالى ولم يكن عملاً فاقد للمشروعية الإلهية، ويترتب على ذلك مسائل كثيرة كالحكم بشهادة قتلاهم في ساحات المعركة.

كما أنه فتح باب جديد في الفقه السياسي حول مشروعية نائب الولي الفقيه في العمل السياسي وتشكيل الأحزاب وإدارة الحكومات الإسلامية التي لا يمكن أن يحضرها الولي الفقيه بنفسه.كما أنه برهن بالتجربة الحية أن التمسك بإرشادات الولي الفقيه هو في صلاح الشعوب، لأن الفقيه العادل هو ولي أمر المسلمين يعمل على ما هو في صلاح المسلمين أينما كانوا ومن أي قومية ومذهب كانوا، ولو عمل خلاف ذلك لكان فاسق وفاقد للولاية الشرعية الإلهية.

هذه بعض المنجزات السياسية لبطل المقاومة السيد حسن نصر الله (حفظه الله) وما لم أشر أليه لعله هو الأكثر والأهم.

وأسأل الله تعالى أن يطيل في عمره وينصره على الصهاينة وأعداء الأمة الإسلامية ويجعل تحرير القدس على يديه.




اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: