Friday 20 September 2019
رمز الخبر: ۱۰۰۷۹۸
تأريخ النشر: 13 September 2019 - 18:58


سركيس أبوزيد

يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هجومه الانتخابي، ولا يوفر أي وسيلة لاستخدامها في المعركة التي باتت أشبه بمعركة حياة أو موت، إذ إن فقدانه السلطة سيعني أنه سيدخل السجن بعد إدانته بتهم الفساد.

نتنياهو الذي يشعر بأن احتمالات فقدانه الحكم صارت أكبر من أي وقت مضى، يتحرك في كل الاتجاهات. يزور لندن وموسكو، يغازل ترامب وبوتين، يصعّد عسكريًا ويقصف الحشد الشعبي في العراق ومواقع إيرانية على الحدود العراقية - السورية وداخل سوريا، ويرفع درجة تهديداته لحزب الله.

وفي حين تبدو فرضية واحتمالات سقوط ترامب في الانتخابات الرئاسية ضعيفة في ظل المعطيات الأميركية الداخلية، فإن فرضية واحتمالات سقوط نتنياهو في الانتخابات العامة تبدو قوية وجدية. وفي حال فشله في الانتخابات أو في الحكومة، فإن ترامب يخسر حليفًا أساسيًا وتكون "صفقة القرن" فقدت المرتكز الإسرائيلي لها.

"صفقة القرن"، وبمعزل عن الانتخابات الإسرائيلية ونتائجها، كانت تلقت ضربات متلاحقة لتصبح في حال ترنح واحتضار، خصوصًا بعدما فشل مؤتمر البحرين في تحقيق أهدافه، ونجح الفلسطينيون في الحصول على مواقف سياسية عربية داعمة. كل ذلك، شكل جرس إنذار لإدارة ترامب التي بدأت تشكك في ظروف ومقوّمات نجاح "صفقة القرن" وتتجه الى تأجيل الإعلان عن شقها السياسي، وبإمكانها أن تتذرع بالانتخابات الإسرائيلية المقبلة وحساسية هذا المشروع وتأثيراته السياسية المحتملة على الحملات الانتخابية.

هذا التخبّط الأميركي في التعاطي مع "صفقة القرن"، والذي يعكسه التأجيل المتكرر لموعد إعلانها ونشرها، يعود الى جملة أسباب، أبرزها:

1- حالة الغموض وعدم اليقين السياسي في "إسرائيل"، مع وضع مفتوح على خلط أوراق نتيجة ما حصل من إعادة للانتخابات الإسرائيلية التي يسود ترقب بشأن نتائجها ومفاجآتها إذا لم يحقق نتنياهو فوزا واضحا.

2- حاجة نتنياهو الى تحسين وضعه الشعبي وشد العصب وكسب التأييد في صفوف اليمين والرأي العام، وهذا لن يكون إلا من خلال المضي في خطته الهادفة الى إبقاء لهيب التوتر العسكري قائما ولكن بمستوى منخفض لا يتدهور الى الحرب.

3- الموقف العربي المترنح وغير الجاهز لـ"صفقة القرن" في هذه المرحلة لسببين:

الأول: يتصل بالموقف الفلسطيني الذي يستحيل على القادة العرب تجاوزه أو تجاهله، والذي انتقد بقوة تحركات الإدارة الأميركية، وما عرضته من تفاصيل ومشروعات اقتصادية، وهاجم الخطة الأميركية المقترحة لأنها تجنبت مناقشة التوصل لتسوية تقوم على حل الدولتين.

الثاني: يتصل بالطريقة التي يخوض بها ترامب المواجهة مع إيران التي عدّلت أولوياته على حساب "صفقة القرن"، وهذه الطريقة لا تحظى بثقة ورضى القادة العرب، وتحديدا قادة الخليج الفارسي، وبالتالي، لا يمكن للسعودية خصوصًا أن تندفع في تغطية "صفقة القرن" في وقت تتراءى أمامها محاولات واشنطن ابرام "صفقة" أميركية - إيرانية.

4- الموقف الأوروبي غير المؤيد لـ"صفقة القرن" التي تتعارض مع الأساسيات والمبادئ الأوروبية في مسألة الصراع "الإسرائيلي - الفلسطيني". ولذلك فإن الدول الأوروبية، خصوصًا فرنسا، لم تطرح الملف الفلسطيني - الإسرائيلي في قمة مجموعة الدول السبع التي عُقدت في منتجع بياريتز الفرنسي، وبحسب مصادر دبلوماسية فرنسية، فإن السبب الرئيس يكمن في التشكيك في السياسة الأميركية التي تنتقل من تأجيل الى تأجيل في الإعلان عن تفاصيل "صفقة القرن". والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لم يعد يعلّق الآمال على خطة الرئيس ترامب، مشددا على صعوبة فرض اتفاق على أطراف لا ترغب في التفاوض. فهو وفق مصادر دبلوماسية عربية في باريس لا يأخذ بعين الاعتبار السياسة الاستيطانية الإسرائيلية، ولا ممارسات "تل أبيب" الأخرى، ولا القرارات التي اتخذها ترامب مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لـ"إسرائيل"، ونقل السفارة الأميركية إليها، وكلها تدابير تدفع القيادة الفلسطينية إلى رفض التفاوض في ظلها.

في ظل كل هذا فإن بنيامين نتنياهو يواجه آخر الاختبارات وأصعبها: إما أن يفوز ويبقى في رئاسة الحكومة محطمًا الرقم القياسي لـ"ديفيد بن غوريون" مؤسس دولة "إسرائيل"، وإما أن يخسر ويخرج من رئاسة الحكومة ومن الحياة السياسية.

ومؤخراً أعلن نتنياهو اعتزامه ضم غور الأردن الى "إسرائيل" بعد الانتخابات في حال فاز بها. وهذا الإعلان، وإن حصل لأهداف وغايات انتخابية، إلا أنه ينطوي على أهمية سياسية واستراتيجية، ومن حيث الأهمية يُعتبر إجراءً موازيًا ومكملًا لإجراءين سابقين: نقل السفارة الأميركية الى القدس، وضم الجولان الى "إسرائيل" باعتراف أميركي.

ويشكل ضمّ غور الأردن، أيضًا، تكريسًا للفصل الجغرافي بين فلسطينيي الضفة الغربية وفلسطينيي الأردن، الذين يمثلون عمقًا ديموغرافيًا لأي كيان فلسطيني قادم. وهكذا، تكون "إسرائيل" نجحت في تطويق عمق الضفة الغربية عبر حاجزين: الأول شرقي يضمّ غور الأردن، والثاني غربي هو الجدار الفاصل الحالي.

من الواضح أخيراً، أن "صفقة القرن" انتهت قبل أن تبدأ أو تُعلن، وأن الجانب السياسي منها لن يُعلن بسبب عدم توافر ظروف ومقوّمات هذه الصفقة. ومؤتمر البحرين فشل في تحقيق هدفه لجهة التمهيد لـ"صفقة القرن" وفتح الطريق أمامها للانتقال الى مرحلة التنفيذ. وأي مبادرة أو خطة اقتصادية بمعزل عن حل سياسي للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي واتفاق "سلام" شامل لن يُكتب لها النجاح ولا يكون تنفيذها ممكنًا، وليس في وسع أميركا أن تفرض تنفيذها، خصوصًا وأنها في هذه المرحلة منشغلة بالمواجهة مع إيران وأظهرت حتى الآن ضعفًا وترددًا في هذه المواجهة ما انعكس سلبًا على صورة ترامب ومصداقيته والثقة به، وهذا يعني أن خطة السلام سيتم تأجيلها، أو ربما سيُصار الى صرف النظر عنها. في الواقع، ما تنتظره واشنطن هو مصير نتنياهو في هذه الانتخابات الحاسمة.




اسم:
البريد الالكتروني:
* رأي: